عبد القاهر الجرجاني

10

دلائل الإعجاز في علم المعاني

المفرد ، لكان الذي قالوه في كلمة التوحيد من أن التقدير فيها : " لا إله لنا ، أو في الوجود ، إلّا اللّه " ، فضلا من القول ، وتقديرا لما لا يحتاج إليه . وكذلك الحكم أبدا . وإذا قلت : " هل خرج زيد " لم تكن قد استفهمت عن الخروج مطلقا ، ولكن عنه واقعا من " زيد " . وإذا قلت : " إن يأتني زيد أكرمه " ، لم تكن جعلت الإتيان شرطا ، بل الإتيان من " زيد " ، وكذا لم تجعل الإكرام على الإطلاق جزاء للإتيان ، بل الإكرام واقعا منك . كيف ؟ وذلك يؤدي إلى أشنع ما يكون من المحال ، وهو أن يكون هاهنا إتيان من غير آت ، وإكرام من غير مكرم ، ثم يكون هذا شرطا وذلك جزاء . ومختصر كلّ الأمر أنه لا يكون كلام من جزء واحد ، وأنه لا بدّ من مسند ومسند إليه ، وكذلك السبيل في كل حرف رأيته يدخل على جملة ، كإنّ وأخواتها ، ألا ترى أنك إذا قلت : " كأنّ " ، يقتضي مشبّها ومشبّها به ؟ كقولك : " كأنّ زيدا الأسد " . وكذلك إذا قلت " لو " و " لولا " ، وجدتهما يقتضيان جملتين ، تكون الثّانية جوابا للأولى . وجملة الأمر أنه لا يكون كلام من حرف وفعل أصلا ، ولا من حرف واسم ، إلا في النداء نحو : " يا عبد اللّه " ، وذلك إذا حقّق الأمر كان كلاما بتقدير الفعل المضمر الذي هو " أعني " و " أريد " و " أدعو " ، و " يا " دليل عليه ، وعلى قيام معناه في النفس . فهذه هي الطرق والوجوه في تعلّق الكلم بعضها ببعض ، وهي ، كما تراها ، معاني النحو وأحكامه . وكذلك السبيل في كلّ شيء كان له مدخل في صحّة تعلّق الكلم بعضها ببعض ، لا ترى شيئا من ذلك يعدو أن يكون حكما من أحكام النحو ومعنى من معانيه ، ثم إنّا نرى هذه كلّها موجودة في كلام العرب ، ونرى العلم بها مشتركا بينهم . وإذا كان ذلك كذلك ، فما جوابنا لخصم يقول لنا : إذا كانت هذه الأمور وهذه الوجوه من التعلّق التي هي محصول النظم ، موجودة على حقائقها وعلى الصحة وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه ، ورأيناهم قد استعملوها وتصرّفوا فيها وكملوا بمعرفتها ، وكانت حقائق لا تتبدّل ولا يختلف بها الحال ؛ إذ لا يكون للاسم - بكونه خبرا لمبتدأ ، أو صفة لموصوف ، أو حالا لذي حال ، أو فاعلا أو مفعولا لفعل في كلام - حقيقة " 1 " هي خلاف حقيقته في كلام آخر ، فما هذا الذي تجدّد بالقرآن من

--> ( 1 ) اسم يكون مرفوع والتقدير ( لا يكون حقيقة للاسم ) .